
و.ش.ع الإسماعيلية ۔ حسين السمنودي
الاثنين 17 اغسطس 2026
ليست كل الحروب تُعلن فيها صافرات الإنذار، ولا تُرى فيها الدبابات وهي تعبر الحدود، ولا تُسمع فيها أصوات المدافع. هناك حروب أخطر وأشد قسوة، لأنها تتسلل إلى البيوت والعقول والشوارع، وتستهدف الإنسان قبل الأرض، والمستقبل قبل الحاضر، وتعمل على إنهاك المجتمع من الداخل دون أن ترفع راية الحرب.
ومصر، بحكم موقعها وثقلها ودورها التاريخي في المنطقة، ظلت دائمًا أمام تحديات وضغوط متعددة، بعضها سياسي واقتصادي وأمني، وبعضها يأخذ صورًا أكثر خفاءً تستهدف تماسك المجتمع وقدرته على الصمود. ومن أخطر هذه الصور محاولة ضرب الإنسان المصري، وخاصة الأطفال والشباب، لأن من يريد إضعاف وطن لا يحتاج دائمًا إلى إسقاط مؤسساته؛ يكفي أحيانًا أن يعبث بعقول أبنائه، أو يدفعهم إلى الإدمان واليأس والانحراف وفقدان الأمل.
ومن هنا يصبح الحديث عن المخدرات ليس مجرد حديث عن جريمة أو تجارة محرمة، وإنما حديث عن أمن قومي ومستقبل وطن.
فانتشار المخدرات بأنواعها المختلفة، وتعدد أساليب ترويجها، واستهداف الفئات العمرية الصغيرة، كلها ظواهر تستحق أقصى درجات المواجهة. فالمخدر لا يقتل جسدًا فقط، وإنما قد يقتل إرادة الإنسان، ويدمر أسرته، ويقطع صلته بالمجتمع، ويدفع بعض المدمنين إلى الجريمة والعنف والانهيار الاجتماعي.
والأخطر من المخدر ذاته هو أن يتحول تعاطيه إلى ثقافة عادية في بعض البيئات، وأن يتم التعامل معه باعتباره نوعًا من الهروب من ضغوط الحياة. وهنا تكون المعركة قد تجاوزت حدود مكافحة تجارة ممنوعة إلى معركة وعي حقيقية، لأن الإنسان الذي يفقد قدرته على التفكير السليم يصبح أكثر قابلية للاستغلال والتوجيه.
لكن المخدرات ليست وحدها.
هناك أيضًا محاولات لإغراق الفضاء الإلكتروني بمحتوى يضرب القيم، ويشوه مفهوم النجاح، ويجعل الشهرة السريعة أهم من العلم والعمل، ويقدم نماذج زائفة للشباب، ويزرع في نفوس بعضهم الشعور بأن النجاح لا يحتاج إلى تعليم أو جهد أو أخلاق.
وفي عالم مفتوح بلا حدود، يستطيع هاتف صغير أن يدخل إلى غرفة الطفل والمراهق والشاب، ويحمل إليه في دقائق محتوى لم يكن من السهل الوصول إليه في الماضي. ولهذا فإن معركة الأسرة والمدرسة والدولة لم تعد محصورة في الشارع، وإنما امتدت إلى الشاشة.
هناك كذلك حرب أخرى أكثر هدوءًا: صناعة اليأس.
حين يشعر الشاب بأن مستقبله مغلق، وأن جهده لا قيمة له، وأن النجاح لا يأتي إلا لمن يملك المال أو العلاقات، فإنه يصبح أكثر عرضة للاستسلام للأفكار السلبية، وأكثر قابلية للانجراف وراء أي طريق يَعِده بالمال أو القوة أو الشهرة.
ولهذا فإن حماية الشباب لا تكون بالمواجهة الأمنية وحدها، رغم أهميتها، وإنما تبدأ أيضًا من منحهم أسبابًا حقيقية للأمل: تعليم جيد، وفرص عمل، ومساحات آمنة لممارسة الرياضة والثقافة، وعدالة في الفرص، وخطاب ديني وإعلامي وتربوي قادر على مخاطبة عقولهم بلغة العصر.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تنشغل بحماية حدودها بينما تُترك حدود أخرى مفتوحة أمام الأفكار الهدامة والمخدرات والجريمة والتطرف والانحراف.
ومع ذلك، يجب أن نكون دقيقين في الحديث عن الأعداء. فوجود مصالح أو محاولات خارجية لاستغلال نقاط ضعف أي دولة أمر يمكن أن يحدث في عالم السياسة، لكن مواجهة ذلك لا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات بلا أدلة أو تفسير كل مشكلة داخلية باعتبارها مؤامرة خارجية. فالمؤامرات، حين توجد، لا تنجح إلا عندما تجد ثغرات داخلية تستغلها.
وهنا تقع المسؤولية على الجميع.
الدولة مطالبة بتجفيف منابع تجارة المخدرات، وملاحقة شبكات الاتجار والترويج بكل قوة، وتشديد الرقابة على طرق التهريب، وحماية المدارس ومراكز الشباب والمناطق الأكثر عرضة للجريمة، وتطوير برامج العلاج والتأهيل.
والأسرة مطالبة بألا تترك أبناءها فريسة للشارع أو الهاتف أو أصدقاء السوء. والمدرسة مطالبة بأن تكون مؤسسة لبناء الشخصية، لا مجرد مكان للحصول على الشهادة. والإعلام مطالب بأن يدرك أن بعض ما يقدمه ليس مجرد ترفيه، بل يمكن أن يصنع سلوكًا ويؤثر في أجيال كاملة.
أما المجتمع، فعليه أن يتوقف عن التعامل مع الإدمان باعتباره عارًا يختبئ خلفه أهل المريض، وأن ينظر إليه باعتباره مشكلة تحتاج إلى علاج ومواجهة، مع الحزم الكامل تجاه من يتاجرون في عقول وأجساد أبنائنا.
مصر ليست مجرد حدود جغرافية على الخريطة؛ مصر شعب، وأطفال، وشباب، وبيوت، ومدارس، وجامعات، ومصانع، وأحلام.
ولهذا فإن الدفاع عن مصر لا يعني فقط حماية الأرض، وإنما حماية الإنسان المصري نفسه.
فحين نحمي طفلًا من المخدر، فإننا نحمي أسرة كاملة. وحين ننقذ شابًا من الإدمان، فإننا نحمي مستقبلًا كان يمكن أن يضيع. وحين نواجه المحتوى الهدام بالوعي، فإننا نغلق نافذة يمكن أن يدخل منها اليأس والانحراف. وحين نوفر للشباب فرصة حقيقية للعمل والنجاح، فإننا نسحب البساط من تحت أقدام تجار الوهم وتجار المخدرات.
إن مصر تحتاج اليوم إلى معركة وعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ معركة لا تعتمد على الخوف وحده، وإنما على العلم والثقافة والرياضة والعمل والأسرة والدين الصحيح والقانون.
فالأعداء الحقيقيون لا يبحثون دائمًا عن احتلال الأرض، وإنما قد يبحثون عن جيل فاقد للثقة، ضعيف الإرادة، غارق في الإدمان، مشغول بالصراعات الصغيرة، فاقد للقدوة، لا يرى في وطنه مستقبلًا.
وهنا تكون المواجهة الحقيقية: أن نحافظ على أبنائنا قبل أن نضطر إلى إنقاذهم.
إن التصدي لهذه المخاطر لا يمكن أن يكون بردود أفعال مؤقتة، ولا بحملات إعلامية تنتهي بانتهاء الخبر، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني متكامل لحماية الإنسان المصري؛ مشروع يبدأ من الأسرة، ويمر بالمدرسة والجامعة ومراكز الشباب ودور العبادة والإعلام، ويصل إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة.
المواجهة الحقيقية تبدأ من تجفيف منابع المخدرات وملاحقة شبكات الاتجار والترويج بكل قوة، مع تطوير برامج العلاج والتأهيل وإعادة دمج المتعافين في المجتمع. وتبدأ كذلك من مراقبة وسائل استقطاب الأطفال والمراهقين، والتعامل بجدية مع

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *