7 watching nowالرئيسية / مــقالات / حين يتكلم العمل في صمت... على خشبة المسرح تُصنع العروض... وخلفها تُختبر أخلاق الرجال

حين يتكلم العمل في صمت... على خشبة المسرح تُصنع العروض... وخلفها تُختبر أخلاق الرجال

13-08-2026 10:43 ص  وكالة انباء الشرق العربي 246 views
حين يتكلم العمل في صمت... على خشبة المسرح تُصنع العروض... وخلفها تُختبر أخلاق الرجال

و.ش.ع      القاهرة ۔ الدكتورة رادا الجوهري  

الخميس  13 اغسطس  2026  

محمد رياض يحصد أضعافًا من حب الجماهير في الدورة التاسعة عشرة

عشقتُ المسرح منذ زمن، وما زلت أراه كما استحق أن يُسمَّى دائمًا: أبو الفنون ؛ ذلك العالم الذي لا يشبه سواه، حيث تلتقي الكلمة بالحركة، والفكرة بالصورة، ويصبح الإنسان نفسه مادة الفن وغايته. ولأنني أكتب عن حب، فإن كل ما أسطره هنا يشهد عليه حضوري؛ فلا أزعم ما لم أرَ، ولا أدّعي ما لم أعش، ولا أكتب انطباعًا من بعيد، وإنما أكتب عما رأيته بعيني، واقتربت منه بما يكفي لأن أكتشف أن أجمل ما في بعض التجارب الفنية قد لا يكون فوق خشبة المسرح وحدها، بل فيما يحدث حولها وخلفها.

ومن هنا، لم تكن متابعتي للدورة التاسعة عشرة من مهرجان المسرح المصري مجرد متابعة للعروض أو الفعاليات، بقدر ما كانت فرصة للتوقف أمام جوانب إنسانية ربما لا تلتقطها عدسات الكاميرات دائمًا، لكنها تقول الكثير عن أصحابها. وكان من أبرز ما استوقفني فيها الجانب الإنساني في شخصية الفنان المبدع محمد رياض رئيس المهرجان.

أولى هذه الملامح، وربما أكثرها وضوحًا، أنه لا يتعالى على أحد. يتعامل ببساطة شديدة كأنه واحد من الناس، لا فنان تحيطه النجومية ولا رئيس مهرجان يجلس في برج عاجي تفصله المسميات والمناصب عمن حوله. تراه بين الجميع، يتحدث إلى هذا، ويستمع إلى ذاك، دون أن تشعر للحظة بأن المنصب قد صنع بينه وبين الآخرين مسافة.

لكن الصورة تزداد جمالًا ودلالة حين يكون على خشبة المسرح أحدُ كبار الفنانين وروّاده؛ فهنا لا يبقى الاحترام كلمةً تُقال أو

مجاملةً تفرضها المناسبة، بل يصبح سلوكًا عفويًّا يكشف معدن صاحبه، فما إن يخطو أحد هؤلاء الكبار إلى الخشبة حتى يبادر محمد رياض إلى استقباله بنفسه، وكأن مكانته الفنية ومسؤوليته عن المهرجان لا تزيدانه إلا تواضعًا ووفاءً لمن سبقوه وصنعوا لهذا المسرح تاريخه. ولا ينتهي اهتمامه بانتهاء الكلمة ولا حين تهدأ عاصفة التصفيق ؛ بل تراه يعود إلى ضيفه مطمئنًا عليه، متفقدًا قدرته على مواصلة الوقوف، ومستشعرًا بحس إنساني رقيق إن كان يحتاج إلى الجلوس أو بعض الراحة.

تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تقول عن صاحبها ما لا تقوله الخطب الطويلة؛ فالتقدير الحقيقي لا يعلن عن نفسه، بل تكفي المواقف شاهدًا عليه.

وحتى حين يوجّه أحد هؤلاء الكبار نقدًا إلى شيء ما، لا يبدو عليه التأفف، ولا تظهر منه علامة استياء، ولا يتعامل مع الملاحظة باعتبارها انتقاصًا من نجاحه أو من جهده؛ وإنما يستمع، ثم يبتسم ابتسامته المعهودة، تلك التي تحمل في ملامحها كل الحب والاحترام والتقدير لمن يتحدث أمامه.

وربما هنا يظهر وجه آخر من وجوه القيادة؛ فالقائد الحقيقي ليس من يكثر الحديث عن نجاحه، وإنما من يعرف أن النجاح لا يصنعه فرد واحد. وهذا ما يلفت الانتباه في محمد رياض؛ فهو يؤمن بالعمل الجماعي إيمانًا حقيقيًا، ولا ينسب الفضل إلى نفسه، ولا يتصدر المشهد باعتباره صاحب الإنجاز الوحيد، وإنما يرد النجاح إلى جميع العاملين معه، ويحرص على أن يكون لكل من شارك في صناعة المهرجان نصيبه من التقدير. فالقيادة ليست أن تقف أمام الجميع حين يأتي التصفيق، بل أن تتذكر من وقفوا معك حين كان العمل يجري في صمت.

ولعل هذه الروح التي تبدو واضحة في شخصية رئيس المهرجان قد امتدت إلى تفاصيل الدورة التاسعة عشرة نفسها؛ فلم يكن المهرجان مجرد أيام تتعاقب فيها العروض حتى يحين موعد إسدال الستار، وإنما بدا مشروعًا مسرحيًا أرحب سعى إلى أن يصل "أبو الفنون" إلى جمهور أكثر تنوعًا، وأن يتجاوز دوره حدود العرض، ليصبح ليصبح فعلًا ثقافيًا حيًّا يمتد أثره من خشبة المسرح إلى وعي الجمهور ووجدانه.

ولعل السؤال الذي اختاره المهرجان محورًا فكريًا رئيسيًا لدورته يلخص جانبًا كبيرًا من هذه الرؤية:

. «المسرح والجمهور.. هل يذهب الجمهور إلى المسرح أم يذهب المسرح إلى الجمهور؟»

سؤال لا يتعلق بمكان العرض وحده، وإنما بعلاقة المسرح بمن يخاطبهم، وبقدرته على تجاوز حدوده التقليدية والذهاب إلى الإنسان حيث يكون.

ولم يبقَ السؤال حبيس الندوات؛ فقد خرجت فعاليات المهرجان بالفعل خارج حدود القاهرة، ووصلت إلى مدينة المنصورة، في خطوة حملت دلالة خاصة، إذ امتدت إليها فعاليات متنوعة في عدد من المواقع الثقافية والعامة. وكان لافتًا كذلك الاهتمام بتقديم ورش فنية متخصصة لذوي الهمم، أو "قادرون باحتلاف"/ كما أطلق عليهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، بما يعكس رغبة حقيقية في ألا تظل التجربة المسرحية حكرًا على فئة بعينها، وأن يمتد أثر المهرجان إلى جوانب مختلفة من المجتمع.

وهذا الاتساع لم يكن جغرافيًا فحسب؛ فالدورة التاسعة عشرة جاءت محملة ببرنامج متنوع من الورش والندوات والفعاليات والعروض، وصولًا إلى المسابقة الرسمية التي تنافس فيها خمسة وثلاثون عرضًا مسرحيًا تمثل قطاعات وجهات إنتاج مسرحي مختلفة في مصر، إلى جانب المسابقات الأخرى التي احتفت بالتأليف المسرحي والمقال النقدي والبحث النظري.

وفي قلب هذه الرؤية أكد الفنان محمد رياض رئيس المهرجان أن " القيمة الحقيقية للفن تكمن في قدرته على الوصول إلى الجمهور وملامسة وجدانه، وأن المهرجان يهدف إلى فتح حوار حقيقي بين المبدعين والناس".

ولم يكن احترام الخبرة حاضرًا في منصة التكريم وحدها، وإنما امتد إلى لجان التحكيم التي ضمت أسماء ذات ثقل فني وأكاديمي ونقدي. فقد ترأس المخرج الكبير خالد جلال لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وهو اسم ارتبط طويلًا باكتشاف المواهب وصناعة أجيال جديدة حتى استحق لدى كثيرين لقب "صانع النجوم" وضمت اللجنة إلى جواره أسماء من بينها الفنانة القديرة عايدة فهمي.

ولعل من أجمل ما حملته تجربة التحكيم أن قيمة العمل كانت هي التي تتقدم على اسم صاحبه؛ فلم تكن الأسماء هي بوابة الحكم على النصوص، وإنما ما تحمله النصوص نفسها من فكر وقيمة واستحقاق. وهنا تصبح الجائزة أقرب إلى معناها الحقيقي: انتصارًا للعمل لا لصاحبه، وللموهبة لا للعلاقات أو المجاملات.

وما استوقفني أكثر من الأسماء والمناصب أن هذه القامات، على اختلاف مواقعها وخبراتها، كانت تتعامل مع الشباب بمنتهى الحب والاحتواء؛ فلا حواجز بين الكبار والشباب ولا استعراض للخبرة، وإنما ذلك النوع الجميل من العلاقة التي تجعل الكبير أقرب إلى الأب أو الأم، يوجه ويستمع ويمنح من خبرته دون أن يشعر الشاب الواقف أمامه بضآلة تجربته. وربما تكون تلك إحدى أجمل ثمار المهرجان القومي للمسرح المصري منذ انطلاقه عام 2006؛ فهو الحدث الأبرز الذي يجمع مختلف روافد المسرح المصري تحت مظلة واحدة، فتلتقي فيه الأجيال بدلًا من أن يعيش كل جيل في جزيرة منفصلة.

وكانت توصيات لجنة التحكيم جديرة بالتوقف، خاصة دعوتها إلى العناية باللغة العربية ومخارج الألفاظ، وتاكيد الهوية المصرية في النص المسرحي. فمع كثرة النصوص المأخوذة عن أعمال أجنبية، يظل السؤال حاضرًا: أين حكايتنا وشخصياتنا وملامحنا الثقافية؟ فالاقتباس ليس عيبًا، لكن قيمته تكتمل حين يُعاد خلق النص بروح البيئة المصرية، ليصبح أقرب إلى وجدان المتلقي.

ففي النهاية، لا تُقاس قيمة المهرجانات بعدد العروض أو الجوائز فحسب، بل بما تتركه من أثر في المجتمع وهذا ما حققه المهرجان القومي للمسرح المصري خلال السنوات الأخيرة  مما يؤكد أننا أمام تجربة تحاول تحقيق المعادلة الصعبة ومفادها: الحفاظ على القيمة الفنية للمسرح، وفي الوقت نفسه توسيع دوائر وصوله إلى الجمهور.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *