
و.ش.ع البحر الاحمر ۔ ۔محمد مختار
الجمعة 21 اغسطس2026
ليس كلُّ من تُحسن إليه يعرف قيمة الإحسان وليس كلُّ قلبٍ تطرق بابه يدرك معنى اليد التي امتدت إليه يومًا وهي قادرةٌ على أن تنصرف عنه قالوا قديمًا إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا وما أعمق هذه الحكمة لأنها لا تتحدث عن المال ولا عن العطاء وحدهما بل تكشف معدن الإنسان حين تُمنح له فرصةٌ ليُظهر أصله
الكريم حين تكرمه لا يرى في إحسانك ضعفًا بل يراه دينًا في عنقه فيحفظ الجميل ولو مرّت عليه السنون تطعمه خبزًا فيذكرك حين يشبع تفتح له بابًا فيحفظ لك الباب ولو أصبح له ألف باب تقف إلى جواره في عثرته فيبقى واقفًا إلى جوارك حين تدور الأيام
أما اللئيم فمشكلته ليست أنه لا يرى الجميل بل أنه يراه ثم يحاول أن يصغّره حتى لا يشعر بثقله في عنقه
تمد إليه يدك فيتوهّم أنك مدينٌ له
تسامحه فيظن أنك عاجزٌ عن الرد
تكرمه فيحسب كرامتك خوفًا منه
وتعطيه من وقتك وقلبك فيبدأ بالمطالبة بما لم تعطه
وهنا تكمن مأساة بعض الناس
أنهم لا يعرفون قيمة النعمة إلا بعد زوالها ولا يعرفون قدر الرجال إلا حين يفقدونهم فلا تُخطئ فتظن أن كل إنسانٍ يستحق أن تفتح له أبواب قلبك فبعض القلوب حدائق وبعضها مقابر وما تزرعه في الحديقة يزهر وما تزرعه في المقبرة لا يعود إليك إلا ترابًا والأصعب من ذلك أن اللئيم قد يجعلك تندم على أجمل ما فيك على كرمك وعلى وفائك وعلى حسن ظنك وعلى تلك اليد التي كنت تظن أن مدّها للناس فضيلة
لكن لا تندم على أنك كنت كريمًا.
فالذهب لا يصبح نحاسًا لأن أحدهم لم يعرف قيمته، والورد لا يفقد عطره لأن يدًا قاسيةً مزقته والبحر لا يصغر لأن عابرًا أخذ منه حفنة ماء
كن كريمًا ولكن لا تكن بلا حدود
سامح ولكن لا تجعل المسامحة تصريحًا دائمًا بالإساءة أعطِ ولكن لا تعطِ من يفسّر عطائك ضعفًا افتح قلبك ولكن لا تسلّم مفاتيحه لمن لا يعرف حرمة البيوت فالحكمة ليست أن تتوقف عن الإحسان الحكمة أن تعرف لمن تُحسن هناك أناسٌ إذا أكرمتهم جعلوا من كرمك ععهدً ومن معروفك وفاءً ومن حضورك في حياتهم نعمةً لا تُنسى وهناك أناسٌ إذا أكرمتهم جعلوا من إحسانك سلّمًا يصعدون عليه ثم دفعوك عنه بعدما بلغوا ما يريدون لذلك لا تقيس الناس بما يقولونه عندما يحتاجونك بل بما يفعلونه عندما يستغنون عنك
فالإنسان الحقيقي لا يظهر حين تكون في يده مصلحتك بل يظهر حين يصبح قادرًا على تجاهلك ولا يفعل وتذكّر دائمًا لا تُكثر من سقاية أرضٍ لا تنبت ولا تُهدر قلبك في مكانٍ لا يعرف إلا كيف يأخذفالحياة أقصر من أن نقضيها في إقناع اللئيم بقيمة الكريم وأثمن من أن نضع أرواحنا على موائد من لا يعرفون إلا الشبع منها ثم إنكار فضلها أكرم الكريم فإنه إذا ملكته بالمحبة صانك بالوفاء وأما اللئيم فلا تُحاول أن تملكه بالإحسان فقد يحوّل إحسانك عليه إلى سلاحٍ عليك وفي النهاية ليست العبرة بمن أعطيته بل بمن بقي بعد أن أخذ فمن حفظ يدك حين امتلأت يده فهو كريم ومن عضّ اليد التي أطعمته فقد كشف عن نفسه بنفسه ولا تحزن على معروفٍ صنعته مع غير أهله يكفيك أنك حين أعطيت كنت أنت الإنسان الذي تمنيت أن تجده يومًا في حياتك.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *