
و.ش.ع اليمن ۔ د. عمر الهراش
تقف الدولة اليمنية اليوم عند واحد من أكثر المنعطفات تاريخيةً وتحديداً لمصيرها؛ حيث يتشابك الصراع المحلي المستمر مع تعقيدات وتوترات إقليمية ودولية غير مسبوقة. لم تعد المسألة مجرد نزاع بين أطراف محلية على السلطة والنفوذ، بل أصبحت معادلة مركبة تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية لتلقي بظلالها على أمن البحر الأحمر، وتوازنات القوى في الشرق الأوسط، والملاحة الدولية.
أمام هذا المشهد الشديد التعقيد، يبرز السؤال الجوهري الذي يؤرق كل يمني ومهتم بشؤون المنطقة: اليمن.. إلى أين؟
أولاً: المشهد الداخلي.. تشرذم سياسي وأزمة اقتصادية طاحنة
تتجلى المعضلة اليمنية في حالة الانسداد السياسي وتفتت مركز القرار الداخلي، حيث تتوزع السيطرة الميدانية والسياسية بين قوى متمايزة الرؤى والترتيبات:
سلطة الأمر الواقع في صنعاء: تتمسك جماعة الحوثي برؤيتها وسيطرتها على الهضبة الشمالية وعدد من المحافظات، معتمدة على التعبئة والتمدد وتوظيف الملفات الإقليمية لتعزيز الشرعية المحلية الميدانية.
المجلس الرئاسي والمكونات الشرعية: يواجه تباينات داخلية وتحديات توحيد الخطاب السياسي والعسكري، إلى جانب تفاوت النفوذ في المحافظات المحررة (عدن، حضرموت، مأرب، شبوة، وغيرها).
الأزمة الاقتصادية والإنسانية: تشكل المعاناة المعيشية حجر الزاوية في المشهد؛ حيث أدى انقسام المؤسسات المالية، وتوقف صادرات النفط والغاز، وتدهور قيمة العملة الوطنية، إلى اتساع الفقر وتفاقم إحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ثانياً: التوترات الإقليمية.. اليمن في قلب العاصفة
لم يعد الصراع اليمني ينشط بمعزل عن المحيط الإقليمي والدولي. بل أصبح اليمن ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية والكبرى:
معادلة البحر الأحمر والملاحة الدولية: أدى تصاعد العمليات العسكرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى تدويل الأزمة اليمنية بشكل غير مسبوق، مما جعل البلاد جزءاً من الصراعات الإقليمية الممتدة.
ارتهان الحل الميداني بالإقليم: تتأثر مسارات الهدنة والحوار السياسي صعوداً وهبوطاً بحجم التوتر أو التهدئة بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة.
خريطة الطريق الأممية: رغم وجود مساعٍ ودبلوماسية أممية وإقليمية لتثبيت الهدنة والدفع نحو خريطة طريق شاملة، إلا أن الاشتعال الإقليمي المستمر يعطل الاستمرار الناجز في هذه المسارات.
ثالثاً: السيناريوهات المستقبليّة.. إلى أين يتجه اليمن؟
في ضوء التطورات الراهنة، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل اليمن:
1. سيناريو "الجمود المدار" (حالة لا حرب ولا سلام)
هو السيناريو الأقرب للواقع الحالي؛ حيث تستمر حالة التهدئة العسكرية الهشة دون توقيع اتفاق سلام نهائي. يُدار الصراع عبر ملفات اقتصادية وإنسانية مع بقاء خطوط التماس كما هي، بانتظار اتضاح موازين القوى الإقليمية والدولية.
2. سيناريو "التفتت وتعميق الانقسام"
في حال استمرار الانسداد السياسي واستعصاء الحلول الشاملة، قد تتجه البلاد نحو تثبيت أمر واقع يتميز بالتقسيم الإداري والاقتصادي والمؤسسي، مما يضعف فكرة الدولة الوطنية الجامعة ويعزز النفوذ المناطقي والفصائلي.
3. سيناريو "التسوية السياسية الشاملة"
وهو السيناريو المأمول، ولكنه يتطلب شروطاً صعبة التحقيق في المدى القريب، أهمها:
وجود إرادة سياسية حقيقية لدى كافة الأطراف اليمنية لتقديم تنازلات مؤلمة لصالح المشروع الوطني.
توفر مظلة إقليمية ودولية ضامنة تُبعد اليمن عن تجاذبات المحاور الصريحة.
البدء بإجراءات بناء الثقة: فتح الطرقات، صرف المرتبات، وتوحيد المؤسسة المالية والبنكية.
الخاتمة: حتمية المسار الوطني
إن إجابة السؤال "اليمن إلى أين؟" لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، لكنها تتوقف بالدرجة الأولى على قدرة النخب والأطراف اليمنية على إدراك حقيقة أساسية: أن استمرار الارتهان للخارج أو المراهنة على الحسم العسكري لن ينتج عنه سوى المزيد من الإنهاك لجميع القوى والدمار للبنية التحتية والمستقبل الوطني.
إن خروج اليمن من الدوامة الحالية يستلزم العودة إلى المظلة الوطنية الجامعة، وإعادة بناء الدولة على أسس الشراكة المواطنة والقانون، وتحييد المصالح الحيوية للشعب اليمني عن صراعات المنطقة، فالرهان الحقيقي للاستقرار يبدأ من الداخل اليمني قبل أن ينعكس على المحيط الإقليمي والدولي.
بقلم د. عمر الهراش

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *