
و۔ش۔ع العراق ۔ د/ صالح العطوان الحيالي
السبت 18 ابرايل 2026
ثمانية قرون كاملة،ظلّت(القسطنطينية) درّة التاج البيزنطي ،واقفة كالطـــود العظيم ، تتحدى الفاتحين،تتابعت الجيوش الإسلامية والشرقية ، من جيش ( معاوية بن أبي سفيان ) ، إلى جيش ( مسلمة بن عبد الملك )الذي بلغ مئتي ألف مقاتل ، وأشرف عليه الخليفة ( سليمان ) بنفسه ، وحتى جيوش العباسيين ،في زمن ( هارون الرشـــيد )
لكن المدينة لم تُخضعها السيوف ،وظلّت عصيّة على الفتح،إلى أن جاء العام 1453م ، فدخلت التاريخ بمدافع العثمانيين ،وعبقرية شاب اسمه ( محمـــد الفاتح ) ..
لنتعرف على سرُّ صمود المدينة
لم تكن ( القسطنطينية ) مجرد مدينة ،
بل حصنًا أسطوريًا بُني ليكون قلعة فوق قلعة ،موقعها على شبه جزيرة مثلثة الشكل ، جعل البحر يحميهـــا من ثلاث جهات ، ولم يترك للمهاجمين سوى الجبهة الغربية الضيقة ، أي جيش يريد أقتحامها ،كان يصطدم بجحيم من الحواجز المحصنة.
الحاجز الأول ، الخنــدق :
قبل أن تلمس أسوارها ، يقف أمامك خندق هائل، عرضه عشرون مترًا ،وعمقه عشرة ، أحيانًا يُملأ بالماء ، وأحيانًا يُرَص بالأوتاد الحديدية والفخاخ،أتحاول ردمه ؟ أيام طويلة تحتاجها ، وخلالها تكون سهام البيزنطيين وصخورهم تحصد رجالَك بلا رحمة،وإن نزلت فيه ، خرج الجنود من بوابات صغيرة في السور الخارجي لينقضّوا عليك ، محاصَرًا في حفرة لا مفرّ منها .
الحاجز الثاني ، السور الخارجي :
إذا تجاوزت الخندق أمامك سور أول بارتفاع ثمانية أمتار،أتحاول هدمه بالمقاليع؟ عبث تحاول تسلّقه ؟
المطر الغزير من السهام يصيب جنودك قبل أن يضعوا أقدامهم على الجدار ، ولو نجحت ، تجد نفسك بين السور الأول والثاني ، في ساحة ضيقة كالمصيدة ، لا مهرب منها إلا إلى الأمام حيث ينتظرك الأسوأ.
الحاجز الثالث ، السور الأوسط :
وراء ذلك السور ينتصب جدار أعظم ،
اثنا عشر مترًا ارتفاعًا ، وأبراج شاهقة تصبّ الزيت المغلي والنار الإغريقية ، ذلك السلاح الذي لا تطفئه المياه .
تحاول بناء أبراج حصار خشبية ؟
تشتعل فيها النيران قبل أن تقترب .
الحاجز الرابع ، السور الداخلي :
هنا الرعب الأكبر ، جدار داخلي بارتفاع ثمانية عشر مترًا ، وسماكة خمسة أمتار ، تتخلله أبراج حجرية كل سبعين مترًا كأنها قلاع مستقلة،حتى لو وصلت إليه بعد نزفٍ طويل ، تشعر أنك أمام جبل صخري لا جدارًا بشريًا .
خلف الأسوار ،مدينة مستعدة للحرب :
وحتى لو أنهارت الأسوار ، لم تكن المدينة مفتـوحة ، بل بداخلها حصــــون أخرى :
* شوارع ملتوية وفخاخ قاتلة .
* أنفاق سرية للحركة والهجوم .
* مخازن إمداد تكفي سنــــوات .
* قصر محصّن كقلعة داخل قلعة .
أي أن سقوط السور ،لا يعني سقوط ( القسطنطينية ) .
من البحر ، النار الإغريقية :
تحاول الالتفاف من البحر ؟
الأسطول البيزنطي بالمرصاد ، أنابيب نحاسية تُطلق منها مادة ملتهبة لا تُطفأ ، فتتحول سفنك إلى جمر عائم ،أما القرن الذهبي فكان مغلقًا ،بسلسلة حديدية ضخمة تسد الممر ، تتحطم عليها السفن كما تتحطم الأمواج على الصخور .
سلاح التجويع :
حتى لو أردت تجويع المدينة ، فداخل الأسوار كان هناك مساحات واسعة مخصصة للزراعة والبساتين ، وحتى حيوانات للتربية ( أبقار ودواجن ) ، المخازن ممتلئة بالكامل .
( القسطنطينية )
كانت تحتوي على مئات الصهاريج والخزانات تحت الأرض ، أكبرها
«الصهريج البازيليكي» (Basilica Cistern) ، هذه الخزانات العملاقة ،
كانت تُخزن ملايين اللترات من الماء ،
وتكفي سكان المدينة لعدة سنوات كاملة .ثم فأنت لست وحدك في الميدان !! ،ففي كثير من الأحيان ،
كان المهاجمون يصبحون محاصَرين هم أنفسهم من الشعوب الأوروبية التي تهب دائما لنجدة ( القسطنطينية ) ، أبرز الأمثلة :
حصار الأمويين ( 717–718م ) ،
حين باغت البلغار جيش ( مسلمة ) من الخلف بتحالف مع البيزنطيين ، فانقلبت الموازين ، واضطر المسلمون إلى الانسحاب ،بعد أن أرهقتهم المجاعة والأمراض والهجمات المزدوجة ..
مصير كل مهاجم :
مع الأيام تتحول محاولاتك إلى مأساة ،
رجال يسقطون ، معدات تحترق ،
ومعنويات تنهار ،عندها تفهم ،
لماذا فشل الأمويون والعباسيون والترك ،
ولماذا ردّد المؤرخون دائمًا :
« من أراد فتح القسطنطينية ، فليحمل معه معجزة ».
( القسطنطينية )
لم تُفتح بالقوة العسكرية إلا مرتين :
* الأولى حين خانها أبناؤها ،
في الحملة الصليبية الرابعة ( 1204م ).
* والثانية حين حاصرها ( محمد الفاتح )
فواجهها بالمدافع الثقيلة ،والعبقرية العسكرية (1453م)،لكن الفرق ،
أن العثمانيين واجهوا مدينة منهكة ،
إمبراطورية لم يبقَ منها سوى الاســم ،
اقتصاد ضعيف ، انقسامات داخلية ، وخذلان من أوروبا،عندها فقط
انهارت المدينة التي استعصت لثمانية قرون.فتح ( القسطنطينية )
لم يكن نصرًا عسكريًا وحسب ، بل تحوّلًا تاريخيًا عظيمًا انتهى عهد بيزنطة ، وبدأ عصر جديد يقوده شاب ،آمن بحلــــم بشَّر به النبي صلى الله عليه وسلم منذ قرون .


Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *