
و.ش.ع الاسماعلية ۔د.حسين السمنودي
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وينشغل كل إنسان بنفسه، يبقى هناك صنفٌ من الناس اختار أن يحمل همَّ الآخرين قبل همِّ نفسه، وأن يجعل من البحث عن الجائعين رسالةً يعيش من أجلها، لا ينتظر شكرًا ولا مدحًا، ولا يطلب جزاءً إلا من الله سبحانه وتعالى. إنهم الباحثون عن الجياع في الطرقات، أولئك الذين لا يكتفون بفتح أبواب الصدقات لمن يطرقها، بل يخرجون بأنفسهم ليبحثوا عن المحتاج الذي أخفى فقره حياءً، وكتم ألمه عفةً.
لقد علمنا الإسلام أن أعظم الصدقة هي التي تصل إلى من لا يسأل الناس إلحافًا، فقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، وهؤلاء هم الذين ينبغي أن تُشدَّ إليهم الرحال، وأن تُبذل الجهود للوصول إليهم، فهم أصحاب الكرامة الذين منعهم الحياء من مد أيديهم، ولكن الحاجة ربما أنهكت أجسادهم وأرهقت قلوبهم.
إن الباحث عن الجائع ليس مجرد متصدق، بل هو صاحب قلبٍ حي، يرى في رغيف الخبز حياة، وفي وجبة الطعام أملًا، وفي الابتسامة التي ترتسم على وجه طفلٍ جائع أعظم المكافآت. إنه يدرك أن الجوع لا يهدد المعدة فقط، بل قد يهز الكرامة، ويكسر النفوس، ويزرع اليأس إذا تُرك دون علاج.
وفي كل مدينة وقرية، هناك أسرٌ لا يسمع أحد أنينها، وأرامل يخجلن من السؤال، وشيوخ أفنتهم السنون، وأطفال ينامون على بطون خاوية، بينما يظن الناس أنهم بخير. هنا تظهر قيمة أولئك الذين يجوبون الشوارع والأحياء، ويسألون عن الغائبين، ويطرقون الأبواب في صمت، يحملون أكياس الطعام كما يحملون الرحمة في قلوبهم.
إن أعظم الأعمال ليست تلك التي تُنشر صورها في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما تلك التي تتم في الخفاء، حيث لا يعلم بها إلا الله. فكم من يدٍ امتدت بالطعام دون أن يعرفها أحد، وكم من بيتٍ عاد إليه الأمل لأن إنسانًا صالحًا بحث عن أهله قبل أن يطلبوا المساعدة.
والمجتمع الذي يعتني بجائعه هو مجتمع يستحق الحياة، لأن التكافل ليس شعارًا يُرفع، بل سلوكٌ يُمارس، ومسؤوليةٌ يتقاسمها الجميع؛ الأغنياء والفقراء، المؤسسات والأفراد، الشباب والكبار. فربما كانت وجبة بسيطة سببًا في إنقاذ إنسان من المرض، أو حفظ طفل من الانحراف، أو إعادة البسمة إلى أمٍّ أنهكها العجز.
وليس المقصود بالجوع جوع الطعام وحده، بل هناك من يجوع إلى الكلمة الطيبة، وإلى السؤال عنه، وإلى من يشعر بوجوده بين الناس. لذلك فإن الباحثين عن الجياع هم أيضًا باحثون عن الإنسانية، وعن الرحمة، وعن المعاني التي كادت تضيع في زحام الحياة.
إن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية أضعف أبنائها. وما أجمل أن تتحول مبادرات إطعام الطعام إلى ثقافة مجتمعية، وأن يصبح السؤال عن المحتاج عادةً يومية، لا مناسبة موسمية ترتبط بشهر رمضان أو الأعياد فقط.
وسيظل الباحثون عن الجياع في الطرقات مناراتٍ للخير، يحملون رسالة الأنبياء في الرحمة، ويجسدون أخلاق الإسلام في أسمى صورها. فهم لا يبحثون عن شهرة، وإنما يبحثون عن دعوة صادقة من قلبٍ أشبعه الله على أيديهم، وعن رضا رب كريم وعد من أطعم الجائع، وكسا العاري، وفرج كرب المكروب، بأعظم الثواب.
وربما يكون أشد ما يؤلم القلب أن الجائع لا يموت دائمًا من قلة الطعام، بل قد يموت من شعوره بأنه منسي، وأن أحدًا لم يسأل عنه، ولم يطرق بابه، ولم يشعر بوجعه. كم من أبٍ أخفى دموعه عن أطفاله لأنه لم يجد ما يقدمه لهم، وكم من أمٍّ تظاهرت بالشبع لتترك آخر لقمة في بيتها لصغيرها، وكم من شيخٍ أنهكته السنون جلس على رصيف الطريق لا ينتظر مالًا بقدر ما ينتظر نظرة رحمة تُشعره بأنه ما زال إنسانًا له قيمة بين الناس.
إن الجوع لا يترك أثره في الأجساد وحدها، بل يترك ندوبًا عميقة في النفوس، ويكسر القلوب الصامتة التي اختارت العفة على السؤال، والكبرياء على مد اليد. والمؤلم أن بعض هؤلاء يعيشون بيننا، نمر بجوارهم كل يوم، نراهم ولا نراهم، نسمع أنينهم ولا يصل إلى أسماعنا، حتى إذا غاب أحدهم أو فارق الحياة، قلنا: "لم نكن نعلم". ولو أن كل واحد منا بحث عن أسرة واحدة تستحق العون، لما بقي في أحيائنا جائع يبيت على ألم، ولا طفل ينام وهو يحلم بقطعة خبز.
فيا أيها المار في الطرقات، لعل الله جعل بين طريقك وطريق الجائع موعدًا كتبه في السماء، فلا تمر بقلبٍ مكسور دون أن تجبره، ولا ببيتٍ مظلم دون أن تضيء فيه شعلة أمل. واعلم أن رغيفًا تمنحه بإخلاص قد يكون أثقل في ميزانك من أعمال كثيرة، وأن دمعةً تمسحها عن وجه فقير قد تكون سببًا في أن يمسح الله عنك هموم الدنيا والآخرة.
فلنجعل البحث عن الجائعين عبادةً لا تنقطع، ورسالةً لا تنتهي، وأمانةً نتقرب بها إلى الله. فما أقسى أن يكثر الطعام وتقل الرحمة، وما أشد الخسارة أن نشبع جميعًا بينما يبيت بيننا من لا يجد ما يسد به جوعه. وسيظل التاريخ يذكر أن أعظم الناس ليسوا من جمعوا الأموال، بل من بحثوا عن الجائعين قبل أن يبحثوا عن راحتهم، وجعلوا من الرحمة أسلوب حياة، ومن الإحسان طريقًا إلى رضا الله عز وجل.
ولعل أكثر المشاهد وجعًا ليست تلك التي نراها، بل تلك التي لا يراها أحد. هناك في زوايا المدن، وخلف الأبواب المغلقة، تجلس أسرٌ كاملة في صمتٍ ثقيل، تُطفئ الأنوار مبكرًا لا رغبةً في النوم، ولكن هروبًا من إحساس الأطفال بالجوع. هناك أمٌّ تسمع بكاء رضيعها فلا تجد في صدرها لبنًا، ولا في بيتها طعامًا، فتضم صغيرها إلى صدرها وتبكي في صمت حتى لا تنكسر صورته عنها. وهناك أبٌ يخرج كل صباح متظاهرًا بالبحث عن عمل، بينما يخفي في قلبه انكسارًا لأنه لا يملك ثمن رغيف يعود به إلى أطفاله. وكم من شيخٍ طوى الجوع جسده، لكنه طوى معه لسانه، فاختار أن يتألم في صمت على أن يذل نفسه بالسؤال.
والمأساة الحقيقية ليست في وجود الجائع، فالفقر عرفته البشرية منذ قديم الزمان، وإنما المأساة أن يبيت الجائع بين أناس امتلأت موائدهم، وأن يسمع ضحكات الشبعى بينما تخنقه آهات الجوع، وأن يمضي في الطرقات فلا يلتفت إليه أحد. يومها لا يكون الجوع جوع بطن فحسب، بل يصبح جوعًا للرحمة، وللضمير، وللإنسانية.
فاحذروا

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *