8 watching nowالرئيسية / مــقالات / ليس كلُّ الأبطال يرفعون الكأس

ليس كلُّ الأبطال يرفعون الكأس

09-07-2026 12:32 ص  وكالة انباء الشرق العربي 219 views
ليس كلُّ الأبطال يرفعون الكأس

و.ش.ع           الاسماعلية  ۔ حسين السمنودي

هناك هزائم لا تُقاس بنتيجة مباراة، وانتصارات لا تُكتب في جدول البطولة. وهناك فرق تغادر الملعب، لكنها تبقى في قلوب الملايين وكأنها رفعت الكأس نفسها. وهذا تمامًا ما حدث مع المنتخب المصري، الذي ودّع منافسات دور الـ16 أمام المنتخب الأرجنتيني، بعدما قدّم واحدة من أكثر مبارياته شجاعة وإصرارًا، في لقاء سيظل حاضرًا في ذاكرة كل من شاهده.
لم يكن الحزن لأن مصر خرجت من البطولة، فهذه هي كرة القدم، يومٌ لك ويومٌ عليك. لكن الوجع الحقيقي كان لأن كثيرين شعروا بأن مجريات المباراة شابها جدل تحكيمي واسع، وأن عددًا من القرارات التي اتخذها الحكم الفرنسي أثارت علامات استفهام كبيرة لدى الجماهير والمحللين، وألقت بظلالها على اللقاء، لتتحول فرحة المصريين إلى غصة لا تزال تؤلم القلوب.
خرج اللاعبون منكسي الرؤوس، لكنهم لم يخرجوا منكسي الكرامة. قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، وركضوا حتى آخر قطرة عرق، وآمنوا بأن المستحيل قد يصبح حقيقة إذا تمسك الإنسان بحلمه. لم يبخل أحد منهم بجهد، ولم يتراجع أحد عن مسؤوليته، فكانوا رجالًا بحق، حتى وإن انتهت المباراة بخروجهم من البطولة.
وفي المدرجات، كانت الدموع أصدق من الكلمات. وفي البيوت المصرية، جلس الآباء والأمهات والأطفال أمام الشاشات وكأنهم يعيشون المباراة داخل الملعب. لم يكن أحد ينتظر معجزة، لكنه كان ينتظر عدالة، فالرياضة لا تزدهر إلا حين يشعر الجميع أن القانون يطبق على الجميع دون تمييز.
ورغم مرارة النهاية، فإن المنتخب المصري خرج مرفوع الرأس. فقد كسب احترام منافسيه، وكسب حب جماهيره، والأهم أنه أثبت أن الروح المصرية لا تنكسر مهما كانت الظروف. فالمنتخبات الكبيرة لا تُصنع بالألقاب وحدها، وإنما تصنعها الشخصية، والعزيمة، والإيمان حتى آخر ثانية.
ولعل أجمل ما حدث بعد المباراة لم يكن داخل المستطيل الأخضر، بل خارجه؛ حيث توحدت مشاعر المصريين والعرب، وانطلقت كلمات الدعم من كل مكان، معتبرين أن لاعبي مصر قدموا بطولة تليق بتاريخهم واسم وطنهم. كما عبّر كثير من المتابعين حول العالم عن إعجابهم بالمستوى القتالي الذي ظهر به المنتخب، وبالروح التي لم تستسلم رغم صعوبة المواجهة.
ليس كل الأبطال يرفعون الكأس... فهناك من يرفع راية الشرف، ومن ينتصر بالأخلاق، ومن يغادر البطولة تاركًا خلفه قصة تُروى للأجيال. ومصر، وإن خرجت من دور الـ16، فإنها خرجت وهي تحمل احترام الملايين، لأن الرجال لا يُقاسون بعدد الميداليات، وإنما بما يتركونه في النفوس من فخر وإلهام.
ستُنسى النتائج يومًا، وستتغير أسماء الأبطال، لكن ما لن يُنسى هو ذلك الإصرار الذي قاتل به أبناء مصر، وتلك الدموع الصادقة التي سالت حبًا في الوطن، وذلك الالتفاف الشعبي العربي الذي أثبت أن مصر حين تلعب، فإن قلوب أمة كاملة تنبض معها.
فلتُرفع القبعات احترامًا لرجال مصر... احترامًا لمن آمنوا بقميص وطنهم، وقاتلوا من أجل علمه، ولم يساوموا على كرامته داخل الملعب. قد يغادر البطل البطولة، لكنه لا يغادر ذاكرة شعبه. وقد يخسر مباراة، لكنه يكسب وطنًا بأكمله يقف خلفه ويقول بكل فخر: شكرًا يا أبطال... لقد لعبتم بشرف، والشرف أعظم من أي كأس.
ولم تكن هذه المباراة مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، بل كانت اختبارًا جديدًا لثقة الشعوب في عدالة الرياضة. فما أقسى أن يشعر الملايين بأن ميزان العدالة قد اختل، وأن قرارات قليلة قادرة على تغيير مصير بطولة بأكملها. وعندما تصبح القرارات التحكيمية المثيرة للجدل هي حديث العالم أكثر من مهارات اللاعبين، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون منتخبًا بعينه، وإنما تكون كرة القدم نفسها.
إن العالم الذي يطالب الجميع بالشفافية والنزاهة لا يملك رفاهية أن يُتهم بازدواجية المعايير، لأن الشعوب لم تعد تشاهد المباريات بعيونها فقط، بل بوعيها أيضًا. وكلما غابت العدالة، ارتفعت الأصوات، وتزايدت الشكوك، وبقيت الأسئلة معلقة في ذاكرة الجماهير سنوات طويلة. فالألقاب قد تُسجل في دفاتر البطولات، لكن الجدل حولها قد يبقى ملازمًا لها في صفحات التاريخ.
لقد خرج المنتخب المصري من البطولة، لكنه لم يخرج من قلوب المصريين ولا من احترام ملايين العرب، بل ربما كسب بتلك الروح القتالية ما هو أثمن من التأهل. فقد واجه منتخبًا كبيرًا بكل شجاعة، وقاتل حتى اللحظة الأخيرة، ورفض أن ينكسر، وأثبت أن اللاعب الذي يدافع عن علم بلاده بإخلاص لا يُهزم مهما كانت النتيجة.
إن الشعوب قد تنسى النتائج، لكنها لا تنسى المواقف. ولا تنسى المباريات التي أثارت الجدل، ولا اللحظات التي شعرت فيها بأن العدالة لم تأخذ مجراها الكامل. ولهذا ستبقى هذه المباراة حاضرة في ذاكرة الجماهير طويلًا، ليس فقط لأنها انتهت بفوز الأرجنتين بثلاثة أهداف مقابل هدفين، ولكن لأنها ستظل بالنسبة لكثيرين مباراة أُثير حولها جدل واسع بشأن بعض القرارات التحكيمية التي رأى عدد كبير من المتابعين أنها أثرت في مجريات اللقاء.
وستبقى مصر، كما كانت دائمًا، أكبر من خسارة مباراة، وأكبر من خروج من بطولة. فالأوطان العظيمة لا تُقاس بنتيجة لقاء، وإنما تُقاس برجالها الذين يقاتلون بشرف، وبشعبها الذي يقف خلفهم في الانتصار كما يقف خلفهم في الانكسار. وستظل القبعات تُرفع احترامًا لرجال ارتدوا قميص مصر بكل فخر، وكتبوا بعرقهم صفحة جديدة من صفحات الكرامة الرياضية، لأن التاريخ قد يمنح الكأس لفريق، لكنه يمنح الاحترام لمن استحقه.


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *