
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
في واحدة من أغرب الوقائع العسكرية التي شهدها التاريخ، سطّر الجيش العثماني صفحة استثنائية من صفحات الصبر والتنظيم العسكري خلال حصار قلعة كاندية، آخر معاقل جمهورية البندقية في جزيرة كريت.
ففي شتاء عام 1667م، وبينما كانت القوات العثمانية بقيادة الصدر الأعظم أحمد زاده كوبريلي تفرض حصارًا محكمًا على القلعة المنيعة، واجه الجنود ظروفًا قاسية من بردٍ وأمطارٍ وعواصف جعلت استمرار الحصار مهمة شاقة للغاية.
لكن العثمانيين لم يفكروا في الانسحاب...
بل لجأوا إلى حلٍ غير مسبوق في تاريخ الحروب.
فقد قاموا ببناء ما يشبه مدينةً صغيرةً تحت الأرض، تضم مرافق لإقامة الجنود وتخزين المؤن والذخائر، بحيث يتمكن الجيش من مواصلة الحصار دون أن تؤثر عليه ظروف الشتاء القاسية.
والأكثر إثارة أن هذه المدينة لم تكن مجرد ملاجئ مؤقتة، بل عاش فيها آلاف الجنود العثمانيين طوال شتاءين متتاليين، بينما ظلوا يواصلون حصار القلعة دون توقف.
وكان الصدر الأعظم أحمد زاده كوبريلي نفسه يقيم مع جنوده ويشاركهم ظروف الحصار، في صورة تعكس مدى الإصرار على تحقيق النصر مهما بلغت التضحيات.
استمر الحصار فترة طويلة، تجاوزت العامين، من أيار (مايو) 1667م حتى أيلول (سبتمبر) 1669م، ليُعد واحدًا من أطول وأعنف الحصارات في تاريخ البحر المتوسط.
وخلال تلك المعارك الضارية تكبدت القوى الأوروبية خسائر كبيرة، حيث فقدت ما يقارب 20 ألف جندي، إضافة إلى عدد من كبار القادة والنبلاء الذين قدموا من مختلف أنحاء أوروبا للمشاركة في الدفاع عن القلعة.
ومن أبرز القتلى:
الأمير الفرنسي فرانسوا دي فاندوم، حفيد الملك هنري الرابع وابن أخ الملك لويس الرابع عشر.
الدوق الإنجليزي بيوفورت، أحد أبرز قادة الحملة الأوروبية وابن أخ الملك الإنجليزي.
الكونت الألماني فالدِك، إلى جانب عدد من القادة والضباط الأوروبيين.
وبعد أكثر من عامين من الحصار المتواصل، اضطرت الحامية البندقية إلى الاستسلام، لتسقط قلعة كاندية أخيرًا في يد الدولة العثمانية، وتنتهي بذلك واحدة من أطول المعارك التي شهدتها منطقة البحر المتوسط.
لقد أثبت هذا الحصار أن الانتصارات الكبرى لا تُصنع بالقوة وحدها، بل بالصبر والتنظيم والإرادة التي لا تعرف الاستسلام، وهي الصفات التي جعلت حصار كاندية يُسجل كإحدى أبرز الوقائع العسكرية في التاريخ العثماني.
المصدر
يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة ال9عثمانية، الجزء الأول، ص 510–515.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *