
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
الاربعاء 15سيتمبر 2026
12/8/838 _ 17رمضان 223هجرية يوم الغيرة يوم النخوة الإسلامية
في مثل هذا اليوم تمر علينا ذكرى تظهر الغيرة والنخوة الإسلامية الا وهي قيام المعتصم بتحرير إمرأة نادت "وامعتصماه" .
قاد المعتصم 50,000 خمسون الف مقاتل لإنقاذها، فهو أعظم رمز للشهامة، فأين نخوة الحكام العرب من نخوة المعتصم
ففي مثل هذا اليوم.
كان فتح عمورية وزبطرة على يد الخليفة العباسي المعتصم، وقيام المعتصم بفتح سجن في زبطرة حبست فيه إمرأة صاحت وصرخت مستنجدة فيه بقولها "وامعتصماه" فقاد المعتصم لأجلها جيشا عدده 50,000 خمسون الف مقاتل لتحريرها.
وذلك في 17 رمضان 223 هجري.
الموافق في تاريخ 838/08/12 م.
وصول الخبر
في عام 838م كان الخليفة العباسي الثامن محمد المعتصم بالله في مجلسه في العاصمة سامراء ويريد أن يشرب كأساً من ماء، فدخل له عرب هاربين من مدينة زبطرة في الأناضول وذكروا خبر قيام الامبراطور البيزنطي تيوفيل بمهاجمة مدينة زبطرة، وأن الإمبراطور قام بأسر إمرأة عربية إسمها "شراة العلوية" واسمها بالكامل "شرارة بنت يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب" واستنجدت هذه المرأة بالخليفة المعتصم قائلة: "وامعتصماه".
اجتياح الدولة البيزنطية
غضب المعتصم وشعر بأن صوت هذه المرأة قد وصل لأذنه، وفي لحظتها أمر بإعداد 50,000 خمسون الف مقاتل عباسي للتحرك لإنقاذ هذه المرأة، وقرر أن يقود الجيش بنفسه، أي أنه سيقطع أكثر من 1740 كليومتر لإنقاذ إمرأة لم يراها ولا يعرفها.
وقبل أن يخرج من مجلسه، أمر خادمه بأن يبقي كأس الماء التي كان سيشربها في مكانها، لكي يذهب لينقذ المرأة ثم يعود لشربها.
وعزم أيضا على تحرير مدينة زبطرة وفتح مدينة عمورية مسقط رأس الإمبراطور البيزنطي تيوفيل، وهي المدينة التي تم فيها حبس المرأة العربية، وأمر بنقش كلمة (عمورية) على درع جنوده ال 50,000 خمسون الف مقاتل الذين سيقودهم.
وتقدم المعتصم بجيوشه داخل الدولة البيزنطية وفتح في طريقه مدن كثيرة أشهرها أنقرة، والتقى بجيش تيوفيل عام 838 م فقامت بين الجيشين معركة انتهت بانتصار جيش المعتصم.
فتح عمورية وتحرير المعتصم للمرأة
توجه إلى مدينة عمورية وضرب حصاراً عليها وبعد الحصار الشديد تمكن المعتصم من اقتحام عمورية عنوة وتخريبها وأسر من فيها.
وبعد أن دخل المدينة أمر حاكمها البيزنطي مناطس أن يعطيه مفاتيح السجون، وذهب بنفسه باحثاً عن المرأة العربية التي في السجن، وقام بفتح باب سجنها بنفسه، وقال لها: قد لبيت النداء.
وأما الإمبراطور البيزنطي تيوفيل فقد مات كمداً نتيجة هذه الهزيمة المدوية، وأرسل للمعتصم يبلغه إستعداده أن يدفع الفدية لإسترداد المدينة، ولكن المعتصم رفض العرض، وعاد المعتصم إلى سامراء منتصرا ودخلها بأبهة عظيمة، ونظم الشاعر أبو تمام قصيدة لتخليد النصر، وأول شيء فعله المعتصم بعد دخول سامراء هو الذهاب لمجلسه لشرب كأس الماء التي كان سيشربها قبل أن يأتيه خبر الإمرأة التي أنقذها.
تخليد الشاعر أبو تمام لبطولة المعتصم
وفي هذا قال الشاعر أبو تمام الذي كان زمانه، عن صوت المراة الذي لباه المعتصم:
لبَّيْتَ صَوْتاً زِبَطْرِيّاً هَرَقْتَ لَهُ---- كأسَ الكرى ورُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ
وقال أبو تمام في وصف الجيش البيزنطي الذي عدده 90,000 تسعون الف مقاتل فهزمه المعتصم وأُحرقت جلود البيزنطيين:
تِسْعُونَ أَلْفاً كآسادِ الشَّرَى نَضِجَتْ----جُلُودُهُمْ قَبْلَ نُضْجِ التينِ والعِنَبِ
ومدح أبو تمام المعتصم بالله بأبيات كثيرة ومنها:
تَدبيرُ مُعتَصِمٍ بِاللَهِ مُنتَقِمٍ----لِلَّهِ مُرتَقِبٍ في اللَهِ مُرتَغِبِ
وعن فشل توقعات المنجمين الذين حذروا المعتصم من دخول هذه الحرب وتوقعوا هزيمته قال ابن تمام:
السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ--في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في--مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ
وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً--بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ
أَينَ الرِوايَةُ بَل أَينَ النُجومُ وَما--صاغوهُ مِن زُخرُفٍ فيها وَمِن كَذِبِ
وغيرها من الأبيات الجميلة الرائعة التي تصف معركة الشرف والنخوة والبطولة، وتسرد بطولة المعتصم وعظمة النصر والخراب الذي أصاب بلاد البيزنطيين وفشل المنجمين وحسم السيف للأحداث.
انقاذ المعتصم للمرأة مثبت تاريخياً
يعتبر حدث إنقاذ المعتصم للمستغيثة به حدثاً حقيقياً، ومثبتة تاريخياً، فقد ذكرها المؤرخ البلاذري في كتابه (فتوح البلدان) والبلاذري عاش زمن المعتصم وكان في العشرينات من عمره عند فتح عمورية وإنقاذ المستغيثة، وكذلك روى البلاذري إعتزاز الخليفة العباسي المتوكل بن المعتصم بما فعله والده، وذكر القصة أيضا البيروني الذي كان قريباً من ذاك الزمان وذلك في كتابه (الجماهر في معرفة الجواهر).
وتم تخليد هذه القصة أيضا في مصادر كثيرة ومنها كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي والذي شاهد بنفسه وثائق لهذه المعركة بحكم عمله في بلاط الخليفة العباسي أحمد الناصر، وكذلك خلدها إبن خلدون في (المقدمة) والذي إطلع على وثائق عباسية، والخطيب التبريزي في (شرح ديوان أبو تمام)، وكذلك ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ)، وكذلك البكجري في كتابه (مختصر تاريخ الخلفاء)، وأيضا ابن فضل الله العمري في كتابه (مسالك الابصار في ممالك الامصار).
قال ابن الأثير: (( لما خرج ملك الروم، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر إلى المعتصم، فلما بلغه ذلك استعظمه، وكبر لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وامعتصماه! فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير )).
قال البيروني: ((أجاب المعتصم نداء المرأة في ثغور الروم "وامعتصماه" ب: يا لبيكاه)).
وأمام هذه القصة الملحمية التي جعلت من الخليفة العباسي محمد المعتصم أحد أعظم حكام التاريخ ورمزا للشهامة والنخوة والشرف، وهذا يجعلنا نقارن بين ما حدث في زمانه وما يحدث في زماننا من خوف وجُبن الحكام العرب فندرك أن الفرق بينهما يتجاوز الفرق ما بين الثرى والثريا.
المصادر:
1_ فتوح البلدان، البلاذري
2_ الجماهر في معرفة الجواهر، البيروني
3_ معجم البلدان، ياقوت الحموي
4_ المقدمة، ابن خلدون
5_ شرح ديوان أبو تمام، التبريزي
6_ الكامل في التاريخ، ابن الأثير
7_ مختصر تاريخ الخلفاء، البكجري
8_ مسالك الابصار في ممالك الامصار، ابن الفضل العمري

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *