
و.ش.ع القاهرة د . أشرف سمير الحواط
بعد خروجه صلى الله عليه وسلم من غار ثور الذي كان محبوسًا ومختبئًا فيه، أعلن الرسولُ محمد أنه سوف يحكم العالَمَ، وأنه سوف يُؤسس دولة، وأنه سوف يفتح كسرى وقيصر، وأنه سوف ينتصر على فارس والروم، نعم أعلن ذلك، وإنْ كان مازال هاربًا ومطارَدًا وملاحَقًا من كفار قريش، لكنه صلى الله عليه وسلم لا يعرف اليأسَ، ولا القنوط، فالهزيمة النفسية ليست في قاموس حياته عليه الصلاة والسلام؛ لذلك لما أدركهم سراقةُ بن مالك لكي يفوز بالجائزة التي وعدتْ بها قريش لمن سيأتي بمحمد وصاحبه، لما وصل سراقة ولحق برسول الله، غاصت قدما فرسه في الأرض، وسقط سراقة من فوقها، وبعد حوار دار بينهما قال صلى الله عليه وسلم لسراقة: (كيف بك يا سراقة وقد لبستَ سوارَيْ كسرى! فقال سراقة متعجبًا ومستغربًا ومستبعدًا حدوث ذلك: سواري كسرى بن هرمز؟ قال له: نعم، سواري كسرى بن هرمز.
نعم يا أحباب، الرسول محمد مطارَد، ومع ذلك يبشِّر سراقةَ بأنه سوف يَلبس أساور الملِك كسرى، إنه الأمل يا سادة الذي لا حدود له، وبالفعل تحققت نبوءة النبي – ﷺ – فى عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما جاءته كنوز فارس.
ففي زمن عمر من الخطاب رضي الله عنه، لما فتح سعدُ بن أبي وقاص المدائنَ، دعا عمرُ بن الخطاب سراقةَ بن مالك وألبسَهُ تاجَ وسوارَي كسرى، مصداقًا لوعد رسول الله له،كل إنسان له أمل في مجال ما ؛ عليه أن يأخذ بالأسباب الموصلة إلى أمله ؛ ويضع نصب عينيه النجاح والتفاؤل؛ لا اليأس والقنوط والكسل؛ ويكون حسن الظن بربه أنه لا يخيب آماله وأحلامه؛ بذلك يتحقق له أمله ومراده؛وإذا نزل بك هم أو غم أو كربة؛ لا تتأفف ولا تتضجر ؛ فباب الأمل مفتوح وموجود؛ فالجأ إلى الله بالدعاء.
وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي؛ فإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي؛ وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” ( متفق عليه )
الحياة الدنيا متقلبة الأحوال، لا تستقيم على حال، فكما فيها الخير فيها الضر، وكما فيها السرور فيها الحزن، لكن يبقى الأمل شعاعا يضيء دياجير الظلام، يحطم جدران الحزن والألم؛ فما أغرى التاجر أن يغامر بماله إلا أمله في الأرباح، وما جعل الإنسان يسعى ويعمل إلا أمله في الرزق، وما دفع الزارع أن يلقى البذور في الطين إلا أمله في حصاد الثمار، وما بعث في الطالب الجد والاجتهاد إلا أمله في النجاح، وما حبب الدواء المر إلى المريض إلا أمله في الشفاء، وما كان العبد في مخالفة لهواه وطاعة لمولاه إلا أمله في الفوز بجنة الله ورضاه، وما أكثر المذنب من الندم والرجاء إلا أمله في العفو والغفران، ولله در من قال:
اعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها *** ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ.
فإن كنت في حالة من ضيق اليد فاعلم أن فقير اليوم قد يكون غني الغد , وغني اليوم قد يكون فقير الغد , والأيام دول , وأن الله تعالى إذا أراد للعبد شيئًا أمضاه له :{ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (يس: 36)فعلينا بالأمل والتفاؤل في جميع مجالات حياتكم العملية ؛ وإياكم واليأس والقنوط ؛ فقد ندَّد القرآن بالقنوط واعتبره قرين الضلال، فقال تعالى: { قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ } [الحجر: 56].
وينبغي على المسلم في تحقيق آماله وطموحاته أن يأخذ بجميع الأسباب الموصلة إلى غايته وهدفه مع التوكل على الله تعالى؛ وهذا ما غرسه النبي – صلى الله عليه وسلم – في نفس الصحابي الذي أطلق الناقة متوكلاً على الله؛ فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ:” اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ” (الترمذي وحسنه)

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *