
و.ش.ع العراق ۔. الكاتبة والاعلامية أ دوفاء الفتلاوي
لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد في العراق مجرد شعارات سياسية تتكرر مع كل حكومة جديدة، فالأيام الأخيرة حملت مؤشرات مختلفة بعد بدء تحريك ملفات تتعلق بنواب ومسؤولين كبار، وقد طالت التحقيقات شخصيات سياسية وأمنية عالية المستوى، وهو ما جعل ملف مكافحة الفساد يتصدر المشهد السياسي في البلاد، ويفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة بشأن طبيعة المرحلة المقبلة وما إذا كانت البلاد تدخل فعلاً في مواجهة غير مسبوقة مع الرؤوس الثقيلة داخل الدولة، وسط أزمة اقتصادية متصاعدة ونقص في السيولة المالية وتحديات تتعلق بتأمين رواتب الموظفين بشكل منتظم.
فالحكومة الجديدة تدرك جيداً أن ملف الفساد هو الاختبار الأخطر لشرعيتها أمام الشارع؛ لأن العراقيين لم يعودوا يقيمون الحكومات بعدد الوعود والخطابات، بل بقدرتها على الاقتراب من مراكز النفوذ التي بقيت لسنوات بعيدة عن المحاسبة، لذلك فإن البدء بملفات حساسة تطال شخصيات معروفة سياسياً وأمنياً لا يبدو خطوة عابرة، بل رسالة مبكرة بأن السلطة الحالية تحاول إظهار نفسها بوصفها حكومة قادرة على الذهاب نحو مناطق كانت توصف سابقاً بالمحرمة.
لكن رغم ذلك لا يزال السؤال الأكثر حضوراً: هل ما يجري يمثل انطلاقة حقيقية لمعركة ضد الفساد، أم أنه مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى داخل البيت السياسي؟ فالتجربة العراقية مليئة بحملات مشابهة بدأت بقوة إعلامية كبيرة ثم انتهت عند حدود التسويات والضغوط المتبادلة، ولهذا فإن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية ينظر بقلق واضح إلى التحركات الأخيرة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن انتقال التحقيقات نحو شخصيات أكبر وأكثر تأثيراً خلال المرحلة المقبلة.
هذا القلق لا يرتبط فقط بالخوف من المحاسبة القانونية، بل بالخوف من اهتزاز شبكة المصالح التي تشكلت خلال عقود؛ فالفساد في العراق لم يعد ملفاً مالياً فقط، بل تحول -بحسب المختصين- إلى منظومة سياسية واقتصادية متداخلة تمتلك امتدادات داخل مؤسسات الدولة وبعض مراكز القرار الأمني والحزبي، ولذلك فإن أي محاولة لفتح هذه الملفات بشكل واسع تعني بالضرورة الدخول في صدام مع قوى اعتادت طوال سنوات على العمل داخل مناطق آمنة بعيدة عن المساءلة.
ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين محاسبة موظف صغير في وزارة، وبين الاقتراب من أصحاب النفوذ السياسي والأمني؛ فالموظف البسيط يمكن استبداله بسهولة، بينما تمثل الشخصيات الكبيرة عقداً أساسية داخل شبكة السلطة، ولهذا فإن الاقتراب منها يحتاج إلى قرار سياسي صلب وغطاء تنفيذي قادر على تحمل تبعات المواجهة.
أما الشارع العراقي، فرغم ترحيبه الواضح بأي تحرك ضد الفساد، إلا أنه لا يزال يتعامل بحذر شديد مع المشهد؛ فالعراقيون شاهدوا خلال السنوات الماضية عشرات الملفات التي أثيرت بضجيج كبير ثم اختفت بهدوء، لذلك فإن المزاج الشعبي اليوم لا يمنح ثقته بسهولة، بل ينتظر رؤية شخصيات نافذة تمثل أمام القضاء فعلاً، لا الاكتفاء بحملات إعلامية أو إجراءات محدودة.
وفي قلب هذه المعركة يقف القضاء العراقي بوصفه الحلقة الأكثر حساسية؛ فالقضاء لم يكن غائباً عن ملفات الفساد سابقاً، لكنه غالباً ما كان يصطدم بغياب الغطاء السياسي والتنفيذي الكامل، مما جعل كثيراً من الملفات تتعثر أو تتوقف عند مستويات معينة، أما اليوم فإن نجاح الحملة يعتمد على قدرة الحكومة في توفير حماية حقيقية للمؤسسات القضائية ومنحها مساحة للتحرك بعيداً عن الضغوط والتوازنات الحزبية.
واليوم يقف العراق أمام لحظة مختلفة قد تتحول إلى بداية تغيير حقيقي، أو إلى جولة جديدة من الصراع السياسي تحت عنوان مكافحة الفساد، لكن المؤكد أن انتقال الملفات نحو أسماء كبيرة سياسياً وأمنياً يعني أن البلاد دخلت مرحلة أكثر حساسية، وأن اختبار الحكومة الحقيقي بدأ فعلاً من هنا.

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *