
و.ش.ع العراق ۔ أ د صالح العطوان الحيالي
عندما خرج الظاهر بيبرس لقتال التتار في الشام، طلب من العلماء فتوى تجيز له أخذ المال من الرعية ليستعين به على تجهيز جيش المسلمين في مواجهة العدوّ الذي أراد الثأر لهزيمته المدوية في عين جالوت.
وبرغم أن نيّة السلطان كانت إنفاق المال على الجهاد، لا على يخوت فارهة، ولا قصور باذخة، ولا طائرات رئاسية… كما يفعل حكّام اليوم، فقد وقف كثير من العلماء في وجهه، وأفتَوا بعدم الجواز، ورفضوا توقيع وثيقة الإفتاء، فبطش ببعضهم، ووقّع آخرون خوفًا ورهبة.عندها قال بيبرس:
«هل بقي أحدٌ رفض التوقيع؟»
قالوا: «نعم… بقي الشيخ محيي الدين النووي». فطلبه إليه، وقال له: «اكتب خطك مع الفقهاء». فقال الإمام النووي بثبات: «لا».
قال السلطان: «وما سبب امتناعك؟»
فأجابه الإمام الذي لا يخشى في الله لومة لائم: «أنت كنتَ مملوكًا للأمير بندقدار، وليس لك مال، ثم مَنَّ الله عليك وجعلك ملكًا. وبلغني أن عندك ألفَ مملوك، لكل واحدٍ منهم حياصة ذهب، وعندك مئتا جارية، لكل جارية حُليٌّ وذهب. فإذا أنفقتَ ذلك كلَّه، وبقي مماليكك بالبنود الصوف بدل الحياصات الذهب، وبقيت الجواري بلا حُلي، ولم يبق في بيت المال شيء… أفتيتُك حينها بأخذ المال من الرعية.وإنما يُستعان على الجهاد بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار نبيه صلى الله عليه وسلم». ثم كلّمه الإمام النووي كلامًا شديدًا.
فغضب السلطان، وأمر بقطع رواتبه وعزله من مناصبه. فقيل له: «إن الشيخ ليس له راتب ولا منصب!» فاشتدّ غضبه، وهمَّ أن يبطش به، لكنّ الله صرف قلبه عنه وحمى الإمام.
بل أبطل السلطان أمر أخذ الأموال من الناس، ونجّاهم الله ببركة العلماء الربانيين.
وكان إذا سُئل بيبرس:
«لماذا لم تقـ.ـتل الإمام النووي؟» قال:
«كلما أردت قتـ.له رأيتُ على عاتقه سبعين( اسدين) يريدان افتراسي… فأمتنع».
هكذا كان علماء الأمة:
يقفون مع المظلوم، ويصدعون بالحق في وجه الظالم، فرفعهم الله، وطيَّب ذكرهم بين المسلمين، على خلاف من يُفتون اليوم للسلطان ويشتدّون على الضعفاء .
المصادر
المنهل الراوي من تقريب النووي، تحقيق مصطفى الخن، دار الملاح، ص 16
المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي، السخاوي

اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *