8 watching nowالرئيسية / مــقالات / اهلًا بك في العالم الثالت

اهلًا بك في العالم الثالت

09-07-2026 2:44 ص  وكالة انباء الشرق العربي 356 views
اهلًا بك في العالم الثالت

و.ش.ع           بقلم ۔ د.أحمد الشريف 

لنعرض واحدةً من أكثر الأفكار التي روّج لها الغرب بنجاح وهي  أن الغرب يتفوق علينا في كل شيء، 
وأن الفساد، والواسطة، والمحسوبية، وانتهاكات حقوق الإنسان، ليست سوى ظواهر حصرية بمجتمعاتنا.
بالنسبة لي، هذه واحدة من أكبر الخدع الفكرية في عصرنا الحديث.
الحقيقة أن المجتمعات الغربية ليست فاضلة، ولا هي خالية من الفساد والتناقضات، لكن الفارق الجوهري يكمن في احترافيتهم العالية في إدارة الصورة وتجميل المصطلحات.
الواسطة والمحسوبية: ما نسميه عندنا «واسطة»، يظهر عندهم في ثوب «العلاقات المهنية»، و«التزكيات»، و«شبكات النفوذ». وما نطلق عليه «محسوبية»، يختبئ هناك خلف لجان التقييم، والتقارير الإدارية، والقرارات المؤسسية التي تبدو شديدة الاحترافية على الورق.
وبالنسبة لحقوق الإنسان فالأزمة ليست في جمال المبادئ المكتوبة ، بل في ازدواجية معايير تطبيقها؛ فهناك شعوب تُرفع من أجلها الشعارات، وأخرى تُختزل معاناتها في مجرد أرقام عابرة بنشرات الأخبار، وفقًا للمصالح والتحالفات السياسية.
أما العدالة الدولية التي يُفترض ألا تفرّق بين أحد، تبدو في الواقع شديدة البطش مع طرف، وشديدة الحذر والتعقيد مع طرف آخر.
صناعة الفساد: يتحدثون عن الفساد وكأنه اختراع حصري لدول العالم الثالث، بينما تضج مجتمعاتهم بفضائح الرشاوى، ولوبيات الضغط الممنهجة، ومراهنات القمار، وغسيل الأموال بمليارات الدولارات.
نهب التاريخ: يمتلكون تاريخًا طويلًا من الاستيلاء على آثار الشعوب، وثرواتها، وأراضيها، ثم يعيدون إنتاج هذا كله داخل المتاحف وفي الأفلام تحت عناوين براقة وأنيقة جدًا .
رواية المنتصر: حتى التاريخ لم يسلم من إعادة الكتابة؛ فالمنتصر لا يكتفي بالغلَبة، بل يصر على صياغة الرواية، واختيار الأبطال، وتحديد الأشرار، ليقنع العالم بأن نسخته هي الحقيقة المطلقة.
الرياضة: حتى كرة القدم لم تسلم من حساباتهم؛ فالمباريات والقرارات التحكيمية هناك كفيلة بجعلك تشك في أعتى النظريات التي درستها في حياتك.
المسألة ليست أنّ مجتمعاتنا مبرّأة من الأخطاء، أو أن أزماتنا مجرد وهم؛ فنحن نعاني من الفساد، والواسطة، والمحسوبية، ولدينا عيوب كثيرة تستوجب مواجهةً وإصلاحًا حقيقيين. لكن الخلل الحقيقي يبدأ عندما نجلد ذواتنا، وننظر إلى المجتمعات الأخرى وكأنها النموذج الأسمى للعدالة والنزاهة والأخلاق.
الفساد ظاهرة بشرية عابرة للقارات، لكنها تختلف في أشكالها، وأسمائها، وطرق تغليفها وتسويقها:عندنا: قد يأتيك الفساد بوجه مكشوف وعارٍ.
وعندهم: يأتيك مرتديًا بدلة رسمية وربطة عنق، متحدثًا في مؤتمر صحفي، ومرفقًا بتقرير من 300 صفحة يشرح لك لمَ كل ما حدث «قانوني تماما»
.وفي النهاية، يربتون على كتفك قائلين: أهلًا بك في العالم الثالث!


Share:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مشار إليها بـ *